فخر الدين الرازي
59
تفسير الرازي
جميع الوقائع الممكنة إلى يوم القيامة ، ثم نقول القياس الذي يتمسك به في اثبات الاحكام إما أن يكون على وفق هذه القاعدة أو على خلافها ، والأول باطل ، لان هذا الأصل يغنى عنه ، والثاني باطل ، لان النص راجح على القياس والله أعلم . ( المسألة الثالثة ) قالت المعتزلة : هذه الآية دالة على أن الظلم والمعاصي ليست فعلا لله تعالى ، بل تكون أفعالا للعباد ، لأنه تعالى أضاف ظلم العباد إليهم ، وما أضافه إلى نفسه . فقال ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ) وأيضا فلو كان خلقا الله تعالى لكانت مؤاخذتهم بها ظلما من الله تعالى ، ولما منع الله تعالى العباد من الظلم في هذه الآية ، فبأن يكون منزها عن الظلم كان أولى ، قالوا : ويدل أيضا على أن أعمالهم مؤثرة في وجوب الثواب والعقاب أن قوله ( بظلمهم ) الباء فيه تدل على العلية كما في قوله ( ذلك بأنهم شاقوا الله ) واعلم أن الكلام في هذه المسائل قد ذكرناه مرارا فلا نعيده . والله أعلم . ( المسألة الرابعة ) ظاهر الآية يدل على أن إقدام الناس على الظلم يوجب إهلاك جميع الدواب وذلك غير جائز ، لان الدابة لم يصدر عنها ذنب ، فكيف يجوز إهلاكها بسبب ظلم الناس ؟ والجواب عنه من وجهين : ( الوجه الأول ) أنا لا نسلم أن قوله : ما ترك على ظهرها من دابة . يتناول جميع الدواب . وأجاب أبو علي الجبائي عنه : أن المراد لو يؤاخذهم الله بما كسبوا من كفر ومعصية لعجل هلاكهم ، وحينئذ لا يبقى لهم نسل ، ثم من المعلوم أنه لا أحدا إلا وفى أحد آبائه من يستحق العذاب وإذا هلكوا فقد بطل نسلهم ، فكان يلزمه أن لا يبقى في العالم أحد من الناس ، وإذا بطلوا وجب أن لا يبقى أحد من الدواب أيضا ، لان الدواب مخلوقة لمنافع العباد ومصالحهم ، فهذا وجه لطيف حسن . ( والوجه الثاني ) أن الهلاك إذا ورد على الظلة ورد أيضا على سائر الناس والدواب ، فكان ذلك الهلاك في حق الظلمة عذابا ، وفى حق غيرهم امتحانا ، وقد وقعت هذه الواقعة في زمان نوح عليه السلام . ( والوجه الثالث ) أنه تعالى لو آخذهم لانقطع القطر وفى انقطاعه انقطاع النبت فكان لا تبقى على ظهرها دابة ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أنه سمع رجلا يقول إن الظالم لا يضر إلا نفسه ، فقال : لا والله بل إن الحبارى في وكرها لتموت بظلم الظالم ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه : كاد الجعل يهلك في حجره بذنب ابن آدم ، فهذه الوجوه الثلاثة من الجواب مفرعة على تسليم أن لفظة الدابة يتناول جميع الدواب .